أحمد مصطفى المراغي
15
تفسير المراغي
ثم نبه إلى نعمه على عباده فقال : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) أي إن ربكم هو الذي سخر لكم الأرض وذللها لكم ، فجعلها قارّة ساكنة ، لا تميد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال ، وأوجد فيها من العيون ، لسقيكم وسقى أنعامكم وزروعكم وثماركم ، وسلك فيها السبل ، فسافروا حيث شئتم من أقطارها ، وترددوا في أرجائها ، لأنواع المكاسب والتجارات ، وكلوا مما أوجده لكم فيها بفضله من واسع الأرزاق - والسعي في الأرزاق لا ينافي التوكل على اللّه . روى أحمد عن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لو أنكم توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير . تغدو خماصا ، وتروح بطانا » فأثبت لها غدوّا ورواحا لطلب الرزق مع توكلها على اللّه عزّ وجل وهو المسخّر الميسر المسبّب . وأخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرّة قال : « مرّ عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه بقوم فقال : من أنتم ؟ فقالوا : المتوكلون ، قال : بل أنتم المتأكلون ، إنما المتوكل رجل ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على اللّه عزّ وجل » . وجاء في الأثر : « إن اللّه يحب العبد المؤمن المحترف » . وفي الآية إيماء إلى ندب التجارة والتكسب بجميع ضروبه ، وفيها تهديد للكافرين كأنه قال لهم : إني عالم بسركم وجهركم ، فاحترسوا من عقابي ، فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها ، أنا الذي ذللتها لكم ، وجعلتها سببا لنفعكم ، وإن شئت خسفتها بكم ، وأنزلت عليها ألوانا من المحن والبلاء . ( وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) أي وإليه المرجع يوم القيامة ، فينبغي أن تعلموا أن مكثكم في الأرض ، وأكلكم مما رزقكم اللّه فيها ، مكث من يعلم أن مرجعه إلى اللّه ، ويستيقن أن مصيره إليه ، فاحذروا الكفر والمعاصي في السر والعلن .